محمد بن أحمد الفرغاني
33
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
ذلك محلّا قابلا لما توجه له رجع بقوّة ذلك التوجّه الشوقي والميل العشقي إلى أصله ، وعاد كما كان حكم الظهور والبطون بالنسبة إليه على السواء ، إلّا أنه غلب وسبق بتلك القوّة العشقية حكم الظهور المعبّر عنه بالرحمة الذاتية التي هي عين باطن الوجود المطلق المشار إليه بقوله : « أن أعرف » على حكم اللاظهور والمكنى عنه بملابسة حقيقة البطون والخفاء الحقيقي بأنه باطن الغضب المسبوق والمغلوب بباطن الرحمة المذكورة ، فعاد ذلك التجلّي ظاهرا معيّنا في عون هذا بقوة المحبة الأصلية اللازمة له والباطنة فيه والحاملة من غير نسبة الواحدية تعيّنا قابلا لتحقيق مطلبه الغائي الذي هو عين الكمال الأسمائي ، وذلك التعيّن هو القابل الثاني الجامع بين طرفي حكم الإجمال والوحدة ، ومقابلهما الذي هو التفصيل والكثرة لانتسابه إلى الواحدية ووقوعه في ثاني رتب تعيّناتها ، فظهر وتجلّى في هذا التعين . والقابل الثاني الذي هو صورة التعين وظلّ القابل الأول صورة ذلك التجلّى الأول وظلّه بما اشتمل على صور تعيّنات الواحدية قابلها وفاعلها ؛ كتعيّن نفس منبث وظهوره من باطن المتنفّس على نحو ما تعيّن التعيّن والتجلّي الأول من كنه الغيب والإطلاق حاملا ومستصحبا معه من تلك الحضرة الخفائية الإطلاقية أثرا من ظلمة غيبه وإطلاق أزليّته ، ولا تناهي تعيّنات أبديته ، فتفصل وتميّز عن إجمال وجمع بحكم هذا الانبثاث النفسي حقائق الكون المنسوبة إليها القابلية مضافة إلى نسبة التعين الثاني وقابليته وجميع الأسماء الإلهيّة المنتمي إليها التأثير والفعل ، مضافة إلى عين التجلّي الثاني . وجميع هذه الحقائق الكونية والأسماء الإلهيّة صارت صورا وظلالا للشؤون والاعتبارات المندرجة في الواحدية مجملة وحدانية فيها في المرتبة الأولى ، مفصّلة متيّزة في هذا التعين الثاني الذي هو المرتبة الثانية متعيّنة ثابتة فيها بعضها بصورة أصل وجنس ، وبعضها بهيئة فرع ونوع أو شخص متفرّع من ذلك الأصل والجنس أو الفرع والنوع متغايرا بعضها لبعض من وجه دون وجه بحسب هذه المرتبة الثانية وحكمها ، وتعلق ظاهر العلم الأزلي بجميعها تعلّقا إحاطيّا بحسب ما هو كل واحد عليه من هذه المعلومات ، لا بحسب العلم ، فكان كليات ما اشتمل هذا التعيّن والقابل الثاني عليه وانتشىء منه مسمّاة بالمراتب الكلّية ، ولكن من جهة محلّيتها لثبوت باقي الحقائق ولظهور ما يقبل الظهور بالوجود العياني فيها ، ومن جهة